عمر بن محمد ابن فهد

95

إتحاف الورى بأخبار أم القرى

يصرخ بصوت صحل اقشعرّ له جلدي ، يقول : يا معشر قريش ، إن هذا النبي المبعوث منكم قد أظلتكم أيّامه ، وهذا إبّان نجومه ، فحى هلا بالحيا والخصب ، ألا فانظروا فيكم رجلا وسيطا طوالا عظاما جساما ، أبيض بضّا ، أشم العرنين « 1 » ، أوطف الأهداب ، سهل الخدين ، له فخر يكظم عليه ، وسنه « 2 » يهدى إليه ، ألا فليخلص هو وولده ، وليدلف إليه من كل بطن رجل ، ألا فليشنّوا « 3 » من الماء ، وليمسّوا من الطيب ، ثم ليستلموا الركن ، وليطوفوا بالبيت العتيق سبعا ، ثم ليرقوا أبا قبيس ، ألا وفيهم الطيّب الطاهر لذاته ، ألا فليستسق الرجل وليؤمّن القوم ؛ ألا فغثتم - إذا - ما شئتم وعشتم . فأصبحت - علم اللّه - مفئودة مذعورة ، قد قفّ جلدي ووله عقلي . فاقتصصت رؤياي ، ونمّت في شعاب مكة ، فو الحرمة والحرم إن بقي بها أبطحى إلّا قال : هذا شيبة الحمد هذا شيبة . وتتامت عنده رجالات قريش ، وانفضّ إليه من كل بطن رجل فشنّوا وطيّبوا ومسّوا واستلموا وطافوا ، ثم ارتقوا أبا قبيس ، وطفق القوم يدفّون حوله . ما إن يدرك سعيهم مهلة حتى قرّوا بذروة الجبل ، واستكفّوا جنائبه . فقام عبد المطلب فاعتضد ابن ابنه محمدا فرفعه

--> ( 1 ) العرنين : ما صلب من عظم الأنف حيث يكون الشمم . ( المعجم الوسيط ) . ( 2 ) كذا في الأصول ، والوفا بأحوال المصطفى 1 : 121 ، وفي دلائل النبوة 1 : 301 ، ومنال الطالب 1 : 201 ، والخصائص الكبرى 1 : 198 « وسنة » . وفي سبل الهدى والرشاد 2 : 178 « وسنة يهتدى إليها » . ( 3 ) فليشنوا من الماء : أي يغتسلوا به . ( سبل الهدى والرشاد 2 : 180 )